Our History


Text Box

مقدمة
بناء على طلب كل من ا.د. إيمان أحمد إحسان رئيس مجلس القسم، وا.د. نيفين سليمان الشخص الأستاذ بالقسم، بالإستمرار فى جهودى المتواضعة، السابقة والحالية، لتسجيل وتوثيق تاريخ القسم، فإننى أتشرف بقبول هذا التكليف، داعيا الله تعالى أن يعيننى على أدائه، وخاصة فى ظل الظروف الحالية غير المواتية التى أمر بها .

وقد ارتأيت أن يتكون هذا العمل من سلسلة من المقالات، أبدؤها اليوم بمقالة إفتتاحية عن تاريخ إنشاء القسم، تليها مقالاات عن أساتذتنا الراحلين الذين سقطوا فى "ظلمات" صندوق النسيان، فى محاولة لانتشالهم وإعادتهم إلى "أضواء المعرفة والعرفان" .
أبو الريش
تقع منطقة أبوالريش بحي السيدة زينب، بالقرب من محطة مترو الأنفاق . وهى إحدى شياخات حى السيدة زينب بمنطقة عابدين بالقاهرة ، وتعود تسمية المنطقة إلى وجود مقام سيدى الشيخ محمد السدى الشهير بـسيدى "أبوالريش" .  ولا يعرف الكثيرون من الأهالي أو حتى من مرتاديه، من هو صاحب المقام، لكنهم على يقين أنه كان أحد الصالحين، وأنه يستحق التكريم بهذا الضريح .

ويرجع أصل كلمة "أبو الريش" - طبقاً لأبحاث إنجليزية - أنه فى النصف الأول من القرن العشرين، كان أكثر من 50% من أطفال مصر يموتون قبل سن الخامسة بسبب عجز الرعاية الصحية، وكان المصريون يتجهون إلى الدجل والخرافات فى محاولة لإنقاذ أطفالهم، وكان الطفل الذى يتجاوز هذه السن وينجو، يقام له إحتفال خاص لا يحضره إلا الأطفال، ويلبسونه جلباباً أبيض، ويضعون على رأسه تاجاً من ريش الأوز الأبيض، ثم يركبونه بالمقلوب على حمار أبيض، ويمسك بزمام الحمار رجل بالغ، هو الوحيد بينهم، ويزفون الطفل من عند بيته إلى مقام سيدى الشيخ محمد السدى، والأطفال يغنون بنغمة واحدة "يا بوالريش .. يا بوالريش .. إنشا الله تعيش" حتى يصلوا إلى الضريح ويدورون حوله ثم يعودون، ومن هنا إشتهرالضريح بتسميته "مقام أبوالريش" .

وقد انتشرت هذه العادة وأصبح أهالى المناطق البعيدة يتوجهون إلى أقرب ضريح لهم . وقد سمى مستشفى الأطفال بالمنيرة بإسم "مستشفى أبو الريش" لقربه منه، وتيمناً به . ومن المعلوم فإن المستشفى مقام فى شارع سكة المدبح الذى تغير اسمه إلى شارع "بيرم التونسى"، لأنه كان مقراً لسكن بيرم القاهرى . أما مقر ضريح "أبوالريش" الموجود حتى الآن فهو فى نهاية شارع السد خلف مسجد السيدة زينب، واسمه ضريح الشيخ محمد السدى الشهير بـ "أبوالريش" . ومنه نتبين أن الاسم الأصلى لشارع السد كان شارع السدى ثم حرفه العامة . 

مجمع أبو الريش لطب الأطفال
ومن أشهر معالم منطقة أبوالريش مجمع طب الأطفال، التابع لقسم طب الأطفال بكلية طب قصر العينى - جامعة القاهرة، الذى بدأ بناؤه عام 1928م بإنشاء أول مستشفى تخصصى لطب وجراحة الأطفال بمصر "مستشفى أبو الريش القديم" .

ويعد هذا القسم أكبر قسم طب للأطفال على مستوى العالم، حيث يضم المجمع الآن 3 مستشفيات و 3 وحدات أخرى تابعة له بمستشفيات جامعة القاهرة، تبلغ سعتها الآن 855 سريرا فى الخدمة، وهو أكبرعدد من الأسرة يمتلكها أى قسم طب أطفال على مستوى العالم .

كما يضم المجمع أكبر قوة بشرية من أعضاء هيئة التدريس، من أساتذة، وأساتذة مساعدين ، ومدرسين، بلغ المسجل منهم بنهاية عام 2015م عدد 319 عضوا، بالإضافة إلى الهيئة المعاونة لهم ”المدرسين المساعدين“، وأطباء المستشفيات من إمتياز، ومقيمين، واستشاريين، وإستشاريين مساعدين، وزملاء، وغيرهم من أطباء التخصصات الأخرى . كما تضم القوة البشرية العاملة بالمجمع عدة مئات من الدارسين والمتدربين والباحثين كل عام من طلاب مرحلتى البكالوريوس والدراسات العليا الأكاديمية والمهنية، وغيرهم من مصر، ومن كافة دول العالم، ليس فى مجال طب الأطفال فقط، وإنما فى التخصصات ذات العلاقة مثل التمريض والعلاج الطبيعى وخلافه.
وهو أيضا المجمع الوحيد لطب الأطفال على مستوى العالم الذى يضم كافة التخصصات الطبية والجراحية - العامة والدقيقة – فى "مجمع واحد" ، بدءا بالعيادات الخارجية، والإستقبال، والطوارىء، وانتهاء بعمليات القلب المفتوح وزراعة الأعضاء والنخاع، بالإضافة إلى الخدمات الأخرى المعاونة .                      .
مستشفيات ووحدات المجمع
مستشفى الأطفال الجامعى بالمنيرة "أبو الريش المنيرة"
مستشفى الأطفال التخصصى لجامعة القاهرة "أبو الريش اليابانى"
المركز الطبى الوقائى الإجتماعى
وحدة حديثى الولادة والمبتسرين بمستشفى أمراض النساء والولادة بالمنيل الجامعى
وحدة حديثى الولادة والمبتسرين بمستشفى قصر العينى التعليمى الجديد
مستشفى مجمع العيادات الخارجية "تحت الإنشاء"

البيت المصرى الكبير لطب الأطفال
تشهد السنة الحالية مرور 89 عاما على إنشاء قسم طب الأطفال بكلية طب قصر العينى - جامعة القاهرة "1928-2017" . وقد آثرت أن أسميه "البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" حيث أنه ليس مجرد "قسم" نعمل فيه، وإنما هو "بيت كبير" نعيش فيه معا برفقة كل زملائنا من مصر، ومن المنطقة العربية، منذ ما يقارب قرنا من الزمان . وهو أيضا وطن يعيش فينا جميعا، منذ ولادته عام 1928م ، ولسوف يظل نابضا فى عقولنا، وراسخا فى ضمائرنا، وساكنا فى أعماقنا، بمشيئة الله تعالى، أبد الآبدين .

فهو أول قسم أكاديمى لطب الأطفال ينشأ فى مصر عام 1928م، كأحد الأقسام العلمية المكونة لأول كلية للطب فى مصر، وهى كلية طب قصر العينى "الكلية الأم" ، التابعة للجامعة المصرية الأهلية "الجامعة الأم" التى أنشئت عام 1908م، ثم اندمجت عام 1925م مع الجامعة المصرية "الحكومية" .

البداية كانت فى "أبو زعبل"
وكانت البداية مع محمد على باشا والى مصر، ومؤسس الأسرة العلوية . حكم محمد على مصر 43 عاما من 1805م إلى 1848م . وكانت سياستة تهدف إلى بناء دولة مصرية عصرية، فاهتم بالتعليم العالي، وإيفاد البعثات، فأنشأ عددا من المدارس العليا، أولها مدرسة الهندسة العليا ببولاق سنة 1816م .

وافق محمد على باشا على إقتراح تقدم به أنطوان برتيمولى كلوت كبير أطباء الجيش الفرنسى فى مصر، بإنشاء مدرسة للطب فى مصر، وأصدر فضيلة الإمام الأكبرالشيخ حسن العطار فتوى شرعية، أباح فيها تشريح جثث الموتى إذا كان الغرض من ذلك دفع المرض عن المسلمين . وبناء على ذلك، أنشأ كلوت بك عام 1827م أول مدرسة للطب البشرى فى مصر، ملحقة بمستشفى معسكر ”جهاد أداد“ فى منطقة "أبو زعبل" شمال شرق المحروسة "حاليا القاهرة" بإسم  "مدرسة الطب المصرية" ، كما أنشئت مدرسة للصيدلة تابعة لها وملحقة بها .

المحطة الثانية كانت فى "قصر العينى"
بعد 10 سنوات ارتحلت قوات المعسكر إلى سوريا، فنقلت المدرسة والمستشفى عام 1837م ومعهما مدرسة الصيدلة، إلى القصر الذى شيده الشيخ أحمد العينى عام 1466م، فى قلب المحروسة ، وتغير إسم المستشفى العسكرى إلى "مستشفى قصر العينى"، كما تغير إسم مدرسة الطب المصرية إلى "مدرسة طب قصر العينى" . وظلت مدرسة الصيدلة تابعة لمدرسة الطب وملحقة بها . وفى العام التالى "1938م" أنشأ كلوت بك أول مدرسة للمولدات بمستشفى قصر العينى، ثم أضيفت إليها بعد ذلك مدرسة أخرى لممرضات أمراض النساء .

وعندما أنشئت الجامعة المصرية الحكومية عام 1925م، إندمجت فيها مدرسة طب قصر العينى وسميت "كلية" بدلا من "مدرسة" ، وظلت منذ ذلك الحين تحمل نفس الإسم "كلية طب قصر العينى" ، وبذلك أصبحت أول مولود لمدرسة الطب المصرية، وأول كلية للطب فى مصر والمنطقة العربية "كلية الطب الأم" .

المحطة الثالثة كانت فى "أبو الريش"
بعد ثلاثة أعوام "عام 1928م"  أنشأ إبراهيم شوقى باشا قسم طب الأطفال، وأدخل فى دراسة الطب مادة طب الأطفال، وتولى إعداد جيل جديد من المتخصصين فى هذا المجال الحيوى، ليكون بذلك أول قسم أكاديمى لطب الأطفال ينشأ فى مصر، ومن أوائل الأقسام العلمية المكونة لكلية طب قصر العينى .
مستشفى أبو الريش القديم

يرتبط تاريخ طب الأطفال فى مصر إرتباطا وثيقا بمستشفى ”أبو الريش للأطفال“ باعتباره أقدم وأعرق مستشفى لطب الأطفال فى الشرق الأوسط فهى المدرسة الأولى التى تخرج منها الكثير من العلماء فى هذا التخصص فى مصر وغيرها من الدول . وتعود تسمية المستشفى لوقوعها بمنطقة سكنية تعرف باسم ”أبو الريش“ بحى ”المنيرة“ فى دائرة قسم السيدة زينب بالقاهرة .

كان هذا المبنى مملوكا لجمعية رعاية الأطفال المصرية التى تأسست عام 1908م فى مصر، وبدأت فى بناء جزء منه عام 1928م على قطعة أرض مساحتها 5350 مترا مربعا منحتها إياها الحكومة فى حى المنيرة . وافقت جمعية رعاية الأطفال المصرية على أن تتنازل عن هذا المبنى للجامعة المصرية بناء على طلبها، ليكون نواة لمستشفى تعليمى، يخصص لطب وجراحة الأطفال، نظرا لقربه من كلية طب قصر العينى، ولأن الأمر فى مصر يستدعى وجود معهد كبير لتعليم فروع العناية بصحة الطفل . وقد لعب كل من الأستاذ الدكتور إبراهيم شوقى باشا والسيد الدكتور حافظ عفيفى باشا الدورالرئيسى لإتمام وتفعيل هذا التنازل .

وبناء عليه تم تغيير إسم المستشفى من ”مستشفى أبو الريش للأطفال“ المملوكة لجمعية رعاية الأطفال المصرية إلى ” مستشفى الأطفال الجامعى بالمنيرة“ مملوكة للجامعة المصرية .

بدأ العمل بالمستشفى بالطابق الأول عام 1934م الذى كان معدا ومجهزا بثلاثة وستين سريرا .استكمل البناء بطابق آخر تم افتتاحه عام 1936م . وأخذ عدد الأسرة فى الازدياد حتى بلغ150 سريرا عام 1940/1941 . وفى عام 1949/1950 186 سريرا . و فى عام 1992م بلغ العدد 210 سريرا .

فى عام 1992م تأثر مبنى المستشفى تأثرا بالغا بالزلزال العظيم الذى ضرب البلاد الأمر الذى استلزم هدمها وإعادة بنائها من جديد وهو ما حدث بالفعل وتم افتتاح المستشفى عام 2004م .

تعتبر مستشفى أبو الريش للأطفال هى أول مستشفى تخصصى للأطفال فى مصر تبعتها مستشفى أطفال عين شمس، ثم مستشفى الشاطبى للأطفال، التايع لقسم طب الأطفال بجامعة الأسكندرية .

البيت الكبير الأب الشرعى:

وهذا القسم – قولا واحدا - هو "الأب الشرعى" لكل أطباء وأقسام ووحدات طب الأطفال التى  أنشأها كفروع له فى كل من الأسكندرية عام 1943م، وعين شمس عام 1947م، والمنصورة عام 1962م، وبنى سويف عام 1976م، ثم فى الفيوم عام 1995م .

وهو أيضا "الأب الروحى” لكل الأقسام والوحدات التى ساهم فى إنشائها، داخل وخارج مصر، منذ بداياته وحتى وقتنا هذا فى كل أرجاء مصر، من أسيوط، إلى الأزهر، وطنطا، والمنوفية، والمنيا، وبنها، ووزارة الصحة، والقوات المسلحة، وهيئة الشرطة، وكافة المؤسسات والهيئات الأخرى .

ويصبح لزاما علينا الآن، أمام أنفسنا، وأمام الناس أجمعين، من الأجيال الحالية والقادمة، أن نسجل دائما، بكل فخر واعتزاز، بأن مدرسة الطب المصرية هى "المدرسة الأم" ، وأنها من أقدم وأعرق وأكبر المعاهد الطبية والتعليمية والخدمية فى العالم العربى وإفريقيا، فقد أنشئت منذ 190عاما  "عام 1827م"، وكان ذلك قبل81 عاما من إنشاء الجامعة المصرية الأهلية عام 1908م ، وقبل 98 عاما من إنشاء الجامعة المصرية الحكومية عام 1925م . كما أن قسم طب الأطفال بها هو أقدم الأقسام الأكاديمية لطب الأطفال فى مصر، وهو أيضا أكبر قسم طب أطفال على مستوى العالم بأسره، الأمر الذى يستحق معه لقب "البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" .

وقد قطعنا مع الأجيال المتعاقبة من أهل هذا البيت العتيق على مدى تسعين عاما،  أشواطا هائلة فى سبيل تطويره، وتحديث نشاطاته، فى كافة مجالات التعليم الطبى، والبحث العلمى،  والتدريب المهنى، وخدمة المجتمع، وتنمية البيئة، وحققنا فيها - وفى أمور أخرى عديدة - كفاءة نادرة، ودرجة عالية من التميز، فاقتحمنا الصعاب، وفرضنا أنفسنا، وأصبحنا جزءا من العالم المتقدم والمتحضر، فى مجالات طب الأطفال العام، وفى كافة تخصصاته الفرعية والدقيقة .
فى ظلمات صندوق النسيان
وعلى الرغم من هذا التاربخ العظيم والمشرف لهذا البيت العريق، فقد غفلنا - بل وتكاسلنا - عن أن نعطى هذه السيرة العطرة حقها المشروع من التسجيل والتوثيق والتأمين ، حفاظا على هذه الثروة الهائلة من التاريخ الفريد، وتخليدا لذكرانا وذكرى من سبقونا، وتكريمًا للعقول المصرية التي صنعت مجد الطب المصري والعربى، وتوعية للأجيال الحالية والقادمة بعظمة هذا البيت المصرى الكبير لطب الأطفال .

لقد انصرف اهتمامنا فى التركيز على الحاضر والتباهى به - وهو بكل المقاييس معجز ومبهر – ولكن غاب عنا أن نتذكر أن "أمة لا تعرف تاريخها .. لا تحسن صياغة مستقبلها" . ولست أرى فى ذلك غرابة، فمعظمنا منذ الصغر يكره الجغرافيا والتاريخ ، كما إن مصر كلها منذ منتصف القرن الماضى، وحتى وقتنا هذا - وباعتراف مسئوليها - أصبحت أمة بلا ذاكرة !!! . ورحم الله الإمام على بن أبى طالب، طيب الله ثراه، الذى قال: "آفة النجاح .. الكسل" !!! . ورحم الله فاروق الأول ملك مصر السابق، الذى إتخذ لحكمه شعارا هو "أمة يلا ماض .. أمة بلا مستقبل" .

فبرغم أن "بيتنا الكبير" كان سباقا ورائدا فى كثير من الأمور العلمية والإدارية والتنظيمية، ويعتبر نموذجا تقتدى به كل الأقسام الأخرى الشقيقة بالكلية، إلآ أننا تخلفنا كثيرا وطويلا عن القيام بواجبنا وأداء دورنا نحو تسجيل وتوثيق تاريخنا، ولم نحذ حذو الكلية والجامعة التى حرصت كل منهما على تسجيل تاريخها، وتخليد ذكرى مؤسسيها وعظمائها ووقائعها، وقد شمل ذلك تأليف الكتب، وإعداد المجلات، وإنشاء المتاحف، وإقامة التماثيل، وإطلاق أسماء المشاهير على قاعات المحاضرات والدروس، والمكتبات، والوحدات والمراكز المتخصصة، والمتاحف، بالإضافة إلى تنظبم الإحتفالات فى مناسبات عديدة منها حفلات التخرج، والمؤتمرات العلمية السنوية، واليوبيل الفضى والذهبى والماسى، والمئوى لكل من الجامعة والكلية .

وعلى الرغم من أن ”البيت المصرى الكبير لطب الأطفال“ هو أكبر قسم طب للأطفال على مستوى العالم، من حيث عدد المستشفيات والوحدات التابعة له، والتى تضم عدة مئات من الغرف والقاعات، فإنها تخلوا جميعا - بكل الحزن والأسى - من أى إسم من أسماء الذين صنعوا مجد هذا "البيت الكبير" قديما وحديثا، فقد سقطت كلها فى ظلمات صندوق النسيان!!! .

ولقد ظللت طوال 60 عاما مضت من عمرى، منذ إلتحاقى بكلية الطب عام 1956م، ودراستى فى كلية العلوم بالجامعة خلال السنة الإعدادية، وأنا أحلم بالجامعة "الأم“ ، و "القصر العظيم“ ، وبهذا "البيت العتيق“، الذى كنت وما زلت  أعتبره ”محرابا“ أتعبد فيه، وأشعر دائما ويقينا بأن كل نسمة أتنفسها من هوائه، تحمل عطرا نافذا من العلم والمعرفة، و بأن كل ذرة تراب تنتشر فى أرجائه، تشهد على مسيرة عبقرية من التاريخ العريق والعميق، قل أن يجود الزمان بمثلها .

فى هذا البيت الكبير تربيت، وتعلمت، وقضيت أكثر من نصف قرن من الزمان، منذ أن كنت طالبا عام 1956م حتى حصلت على درجة أستاذ عام 1979م، ثم أستاذ متفرغ عام 1999م، فأستاذ غير متفرغ عام 2009م، ثم مرة أخرى كأستاذ متفرغ حتى اليوم .

ولقد أنعم الله على بأن عاصرت، وعرفت، وعايشت كل الأساتذة العظماء، من المؤسسين والرواد الأوائل ، باستثناء المؤسس الأول - جدنا الأعظم - إبراهيم شوقى باشا - الذى ضن على الزمان بلقائه، وحرمنى من التمتع برؤيته، والإستماع إليه، والتحدث معه، برغم أنه انتقل إلى رحاب ربه تعالى عام 1980م، وكنت وقتئذ أستاذا وعمرى 41 عاما .

 

تربيت على أيدي هؤلاء العلماء العظماء، وتعلمت منهم، وتعاملت معهم جميعا عن قرب، بل وصادقتهم، وأدخلونى بيوتهم، واصطحبونى فى سفرياتهم بالداخل والخارج، وكنت صادقا معهم، أمينا على أسرارهم وحافظا لها، كما كنت عونا وخادما لهم، ولسوف أظل بمشيئة الله تعالى خادما لذكراهم حتى ألقى رب العالمين ! .. فهم، وأنتم، وهذا ”البيت الكريم“ تستحقون جميعا أطيب أنغام الذكر، وأعذب كلمات الإطراء، وأصدق آيات الثناء، وأرفع الأوسمة والنياشين .

 

وقد ظللت حتى اليوم أحكى قصصهم، وأنقل للناس خبراتهم وكفاحهم، وتضحياتهم وعطائهم، ولن أكون مبالغا إن قلت أن كلا منهم يستحق وحده كتيبا أحكى فيه تاريخه، وتاريخ جهاده ونضاله فى معركة بناء هذا ”البيت الكبير“، ورعايته، وتحصينه، والدفاع عنه ، والإبقاء عليه وتنميتة . وهل هناك سيداتى وسادتى شى ء أقدس ، أو أشرف ، أو أطهر- بل وأصعب- من معارك البناء والتنمية والبقاء ؟؟؟ .

 

وقد تمنيت أن أستطيع تسجيل وتوثيق  تاريخ هذا "البيت العتيق" ، إبن "القصر العظيم“ ، وحفيد "أم الجامعات“ ، فقد كانت هذه ”الثلاثية“ تمثل بالنسبة لى ”أهرامات مصر العلمية الحديثة“ .

 

ولما استشعرت أن لحظة الحقيقة الثابتة تقترب منى، لم أجد وسيلة أسجل بها وأوثق قصة هذه الملحمة التاريخية أفضل من أن أدونها وأودعها فى كتيب أحكى فيه تاريخ البيت الكبير، وتاريخكم، وتاريخ آبائنا وأجدادنا، الذى امتد تسعة عقود من الزمان، لعلنى أكون قد أديت بعضا مما له، ولكم، وللتاريخ فى عنقى من دين كبير .

 

وقد اقترحت على السيدات والسادة الزملاء أعضاء مجلسكم الموقر إعداد كتيب نسجل ونوثق فيه هذه الملحمة التاريخية، وندون تاريخ هذا البيت العريق، وتمت الموافقة بالإجماع، وبحماس منقطع النظيرعلى تبني الفكرة، وعلى سرعة تنفيذها . وقد شرفتمونى بتكليفكم لى بإنجاز هذه المهمة، ولم أتردد لحظة واحدة فى قبول هذا التكليف، برغم مشقته، حبا فى القسم وفيكم، وولاء للكلية والجامعة، وعشقا فى مصر أم الدنيا وكل الدنيا، مهد الحضارة والتاريخ، وتأكيدا لإيمانى دائما وأبدا بأن منظومة الحب والزهد والتسامح والعطاء، والوفاء والصفاء والنقاء، هى كلها مجتمعة "رسالة حياة“ ، يتحقق بها ومعها كل ممكن، بل وكل مستحيل!!! .

 

ولقد وجدت تعاونا صادقا بلا حدود، وهمة بالغة من كل من طلبت منهم المساعدة بمعلومات أومستندات، أوصور ووثائق، ناهيك عن عشرات من القصص والحكاوى . أتقدم لهم جميعا بجزيل الشكر وعظيم الإمتنان، داعيا الله لهم ولكم بدوام الهمة والعزم، وبمزيد من النجاح والتقدم والإزدهار .

 

واسمحوا لى أن أخص بالشكر أحد أبنائى الأعزاء، وصديقى الصدوق، الأستاذ الدكتور أحمد البليدى، رئيس مجلس القسم الأسبق، على ما عودنى عليه منذ شبابه من إنكار للذات، وعطاء سخى، وكرم فياض، ودعم مطلق، وإخلاص فريد، فهو مزيج ومعين دائم لا ينضب أبدا من ”العلم والإيمان والحب والإنسانية“.  وإننى على يقين بأنكم جميعا تشاركوننى هذا الرأى وتزيدون عليه . وأود أن أسجل هنا بأن دوره فى تأليف وإعداد هذا الكتيب، لا يقل أهمية عما قمت أنا شخصيا بأدائه .

 

ولما أفاض الله علينا بفضله ونعمائه، وأصبح الحلم حقيقة، وأضحى الخيال واقعا، وخرج هذا الكتيب ”الوليد“ من رحم المعاناة إلى النور، وضعناه أمانة تطوق أعناقكم، وأعناق أبنائكم وأحفادكم، فهو يحتاج منكم دائما إلى ”جرعات منشطة“ ، تمنحه التحديث والتجديد، وإلى "رعاية مركزة“ تضمن له الحياة والبقاء والخلود .

 

وقد اخترنا لهذا "الوليد" إسما قد يبدو للبعض "مثيرا" أو"مبالغا فيه" وهو "البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" .. ونحن نرى أن هذا التسمية ليست جائرة على "الآخر" ، وإنما هى تتفق تماما مع ثوابت التاريخ، وواقعه ومعطياته .

 

وقد بذلنا فى سبيل رعاية هذا "الوليد" جهدا بالغا حتى اشتد عوده، بدءا بتحديد الهدف من تأليفه، وتجميع البيانات والوثائق والصور، وتدقيقها، ومراجعتها، وكتابتها، وطباعتها، وغير ذلك من متطلبات إنتاج مؤلف تاريخى نعتقد - على قدر علمنا - أنه لم يصدر مثله من قبل عن أى قسم من أقسام الكلية .

 

وأحمد الله سبحانه وتعالى أن أمد فى عمرى حتى ألقاكم اليوم، لأرد لكم ولبيتكم "الكريم" بعضا مما يطوق عنقى من دين كبير، كنت وما زلت، ولسوف أظل أحمله، وأشعر به، أمد الدهر، حتى ألقى رب العالمين . وهذه الكلمات ليست مجرد مجاملة واجبة لكم، أو مناجاة عاطفية مع حضراتكم، تقتضيها مثل هذه المناسبات، ولكنها نتاج طبيعي لتراكمات من عشرات السنين، قضيتها بينكم، ومعكم، ومن أجلكم، خادما فى هذا "البيت الكريم" الذى كنا وما زلنا معا، ومع من سبقونا، جيلا بعد جيل، من مؤسسيه وساكنيه، و من حارسيه وحاميه، و من محبيه وعاشقيه، ومن وارثيه ومورثيه .

 

وأنا ما زلت مثلكم جميعا حتى اليوم، أتشرف وأفتخر وألتف برمزه التاريخى "أبو الريش" .. هذه الكلمة "الذهبية السحرية" التى اشتهر واشتهرنا معه بها، منذ عام 1928م وحتى الساعة. ولعلكم لا تعلمون أن عددا من المستشفيات فى ربوع مصر يشتهر باسم "أبو الريش" تزينا وتيمنا وتبركا بهذا الشعار مثل "مستشفى أبو الريش للطلبة" المجاور لنا فى حى "زينهم" بالقاهرة، ومستشفى "أبو الريش بحرى" بمركز "دراو" بأسوان .

 

وحتى نحن أيضا أدركنا مؤخرا التأثير السحرى لكلمة ”أبو الريش“، فأطلقنا على مستشفانا التخصصى العظيم "المستشفى اليابانى" لقب مستشفى أبو الريش اليابانى"، وأحيانا "المستشفى اليابانى – أبو الريش 2"  .. وإنه لشىء بديع ومثير، أن نجد أنفسنا "مجبرين" على استرجاع التاريخ، واحترام الماضى، وكأن التاريخ والماضى يتهكمان علينا، ويتوسلان إلينا، صائحين: "كفى تكاسلا وتجاهلا .. أفيقوا يرحمكم الله!!!" ، وأنا أتوسل إليكم أن توثقوا تاريخكم ، وأن تحفظوا تراثكم، وأن لا تفرطوا فى ماضيكم، وأن لا تلقوا بثروتكم البشرية والمادية فى صناديق النسيان .

 

وإننى لعلى يقين وثقة تامة، بأن كافة الأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد، سوف تكون أكثر يقظة منا، وسوف تظل دوما تتشرف، وتفتخر، وتمجد، وتعظم، وتحافظ على هذا الرمز العظيم ”أبو الريش“ ، وتلتف بهذه الكلمة السحرية الذهبية أبد الآبدين، حتى يرث الله الأرض وما عليها!!! .

 

وأتشرف فى النهاية بأن أهدى باسمكم جميعا هذا السرد التاريخى الموجز والمتواضع إلى كل الذين قاموا بإنشاء وتأسيس وقيادة وتطوير قسم طب الأطفال بكلية طب قصر العينى – جامعة القاهرة على مدى 90 عاما منذ إنشائه حتى أصبح بحق- وسيظل بمشيئة الله تعالى- "البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" ، و "الأب الروحى" لكل أطباء وأقسام ووحدات طب الأطفال التى  أنشأها أو ساهم فى إنشائها داخل وخارج مصر منذ نشأته وحتى وقتنا هذا . أهديهم جميعا هذا العمل المتواضع إعترافا بفضل الرواد الأوائل، وإيمانا بقدرة الجيل الحالى والأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد على التواصل والإبداع .

والله الموفق والمستعان