Our History‎ > ‎

رواد طب الأطفال: الأستاد الدكتور ابراهيم شوقى باشا

 

 

1

 

الأستاذ الدكتور

إبراهيم شوقى باشا

 

 

بقلم

 

ا.د. صلاح نصار

الأستاذ المتفرغ بقسم طب الأطفال

كلية طب قصر العينى جامعة القاهرة

 

 
6

 

       مؤسس وأول رئيس للبييت المصرى الكبير لطب الأطفال

       مؤسس وأول مدير لأول مستشفى تخصصى لطب وجراحة الأطفال "أبو الريش"

       عميدا لكلية طب قصر العينى، ومديرا لجامعة فؤاد الأول "حاليا القاهرة"

       وزيرا للمعارف العمومية، ثم وزيرا للصحة العمومية

       رئيسا لنقابة الأطباء، والجمعية الطبية المصرية

       حاصل على رتية "الباشاوية " و "وشاح النيل"

       حاصل على وسام الفارس الأول، ووسام جوقة الشرف من فرنسا

       "الكبير" الذى أغفله أهل "بيته" فى ظلمات "صندوق النسيان"

 

 

فى مثل اليوم 17 من مايو من العام 1890م، ولد إبراهيم شوقى باشا، وكانت ولادته خيرا وبركة على كل أهل مصر، صغارا وكبارا، رجالا ونساء، فقراء وأغنياء، أميين ومتعلمين . فقد ساهم فى تغيير وجه التاريخ الطبى فى مصر فى عصرها الحديث، وبنى وأسس بيت الأمة المصرى لطب الأطفال، كما ساهم مع على باشا إبراهيم فى تمصير وتحديث كلية طب قصر العينى، وإدارة الجامعة المصرية، فى الربع الثانى من القرن الماضى العشرين .

 

وإذا كان ”بيت الأمة“ الذى كان منزلا، ثم أصبح متحفا، لسعد باشا زغلول عام 1931م، في منطقة المنيرة، بالقرب من منطقة السيدة زينب بالقاهرة، يحتل موقعا متميزا  فى نفوس المصريين والعرب، نظرا لكونه يخص واحدا من أشهر زعماء الحركة الوطنية والسياسية، فى زمن الإحتلال الإنجليزى البغيض لمصر، فإن المصريين والعرب يعشقون ويمجدون أيضا بيت الأمة المصرى لطب الأطفال، الذى أنشأه ا.د. إبراهيم شوقى باشا، فى نفس المنطقة، قبل ذلك بثلاث سنوات ”عام 1928م“ ، وكان بداية لدخول مصر والأمة العربية جمعاء، العصر الذهبى لطب الأطفال الأكاديمى .

 

وليس أدل على ذلك من أنه حين أصابت هذا البيت وعكة، إنتفضت الأمة كلها، قيادة وحكومة وشعبا، لدعمه ومساندته، وهبت كل طوائف المجتمع لنصرته، حتى يستمر قلعة شامخة، وحصنا حاضنا وحاميا لكل أطفال الأمة، طوال ساعات الليل والنهار، يقدم خدماته مجانا لكل من يحتاج، دون سؤال عن جنس أو عرق او طائفة .

 

وهذا المقال رسالة محبة، ولمسة وفاء، ونفحة ولاء وانتماء، من كل أهل مصر، إلي ا.د. إبراهيم شوقى باشا، فى ذكرى مرور 128 عاما على مولده "1890-2018م"، وذكرى مرور 38 عاما على وفاته "1980-2018م" .

 

البيت الكبير لطب الأطفال:

 

تشهد السنة الجارية "2018م" مرور 90 عاما على إنشاء قسم طب الأطفال بكلية طب قصر العينى - جامعة القاهرة . ويطيب لى تسميته "البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" ، فهو ليس مجرد "قسم" نعمل به، وإنما هو "بيت كبير"، نعيش جميعا في رحابه، ونستظل به معا، برفقة كل زملائنا فى مصر، ومن المنطقة العربية، منذ ما يقارب قرنا من الزمان . ونحن نشعر أيضا بأنه وطن يعيش فينا جميعا - جيلا بعد جيل - منذ ولادته عام 1928م، وأنه سوف يظل بمشيئة الله تعالى، رابضا فى أجسادنا، وراسخا فى ضمائرنا، ونابضا فى أذهاننا أبد الآبدين .

 

فهو أول قسم أكاديمى لطب الأطفال ينشأ كأحد الأقسام العلمية، المكونة لأول كلية للطب البشرى فى مصر، هى كلية طب قصرالعينى بالجامعة المصرية، ولم تكن فى مصر وقتئذ أية مؤسسات أكاديمية متختصصة فى طب الأطفال، بمعناه الشامل من تعليم، وتدريب مهنى، وبحث علمى، وخدمات صحية، وخلافه، وإنما كانت هناك بعض من جهود حثيثة للعناية بصحة الطفل، وقائيا وعلاجيا، بقدر ما سمحت به الظروف، وتيسرت السبل فى ذلك الوقت .

 

وهذا القسم - قولا واحدا - "الأب الشرعى" لكل أطباء وأقسام ووحدات طب الأطفال التى أنشأها كفروع له فى كل من الأسكندرية عام 1943م، وعين شمس عام 1947م، والمنصورة عام 1962م، وبنى سويف عام 1976م، ثم فى الفيوم عام 1995م .

 

وهو أيضا "الأب الروحى” لكل الأطباء والأقسام والوحدات التى ساهم - وما زال يساهم - فى إنشائها داخل وخارج مصر، منذ بداياته وحتى وقتنا هذا، منتشرا فى كل أرجاء المعمورة من مطروح غربا إلى سيناء شرقا، ومن الأسكندرية شمالا إلى أسوان جنوبا، شاملا الجامعات، ووزارة الصحة، والتأمين الصحى، والمؤسسة العلاجية، والقوات المسلحة، وهيئة الشرطة،والقطاع الطبى الخاص، وغيرها من المؤسسات والهيئات الأخرى المعنية بطب الأطفال وصحتهم .

 

وقد قام القسم - ولا يزال - بتقديم كافة أنواع الدعم لكل هذه الأقسام والوحدات بالجامعات والمؤسسات الأخرى، سواء فى مراحل الإنشاء والتأسيس، أو مراحل التشغيل، متمثلة فى إمدادها باحتياجاتها من أعضاء هيئة التدريس، وبرامج التدريب، والمناهج الدراسية، والإمتحانات، والبحث العلمى، وتنظيم المؤتمرات، والتقييم والتقويم وخلافه .

 

نشأة طب الأطفال الأكاديمى فى مصر:

 

إنتقلت مصرعام 1928م من مرحلة الرعاية الصحية للأطفال بمفهومها وبإمكاناتها المحدودة فى ذلك الوقت، إلى مرحلة طب الأطفال الأكاديمى بمعناه الشامل من تعليم، وتدريب مهنى، وبحث علمى، وخدمة المجتمع، وتنمية البيئة، وخدمات صحية، وخلافه .

 

وترتبط هذه المرحلة إرتباطا وثيقا بالمرحوم ا.د. إبراهيم شوقى باشا الذى أنشأ عام 1928م أول قسم أكاديمى لطب الأطفال فى مصر بكلية طب قصر العينى  بالجامعة المصرية "الحكومية" وذلك بعد 3 سنوات من إنشائها عام 1925م، واستطاع هو وثلاثة آخرون من الرواد الأوائل "الأساتذة الدكاترة أحمد خليل عبد الخالق بك، ومصطفى الديوانى، ومحمد عطية عبود" من وضع اللبنة الأولى لطب الأطفال الأكاديمى فى مصر، وبذلوا جهودا مضنية فى سبيل إبرازه بالصورة المشرقة والمتقدمة التى نراه عليها الآن، والتى استحق بها هذا القسم قولا وعملا لقب "البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" ، كما استحق شوقى باشا لقب "صنايعى طب الأطفال الأكاديمى فى مصر" .

 

نشأة شوقى باشا:

 

كان إبراهيم شوقى باشا شخصية فريدة، توقف الزمان والتاريخ عندها طويلا . ولد فى مصر فى 17 من مايو عام 1890م ، وتخرج من مدرسة الطب المصرية عام 1913م . أوفد إلى إنجلترا للتخصص فى أمراض الأطفال ، ولما عاد أدخل فى مدرسة الطب مادة علم أمراض الأطفال، وتولى إعداد جيل جديد من المتخصصين فى هذا الفرع الدقيق، الحيوى والهام من فروع الطب، والذى كان وقتذاك تابعا لنخصص الأمراض الباطنة العامة، وغير معترف به كتخصص دقيق مستقل .

 

كان شوقى باشا منارة للعلم والثقافة والتنوير، ولم يقتصر تركيزه يوما على تعليم طب الأطفال فقط، وإنما كان مهموما دائما بوطنه ومواطنيه، على المستويات العلمية والإجتماعية، والثقافية والخدمية، فبذل فى سبيل تحقيق ذلك همة وجهدا بالغين، فى مجالات العمل الجامعى، والوزارى، والعمل العام، وفى مجالاات أخرى كثيرة تفرض علينا بذل مزيد من الوقت والجهد لاستجلائها .

 

"شوقى باشا" والعمل الجامعى:

 

تقلد إبراهيم شوقى باشا بعد عودته من الخارج عديدا من المناصب الجامعية العليا، فأثرى بخبرته وحسه الوطنى الحياة الجامعية . أنشأ وأسس قسم طب الأطفال بكلية طب قصر العينى بالجامعة، المصرية "حاليا جامعة القاهرة" ، وظل رئيسا لهذا القسم 16 عاما "1928-1944م" حين أختير عميدا لكلية طب قصر العينى جامعة فؤاد الأول "حاليا جامعة القاهرة" من 1944-1947م، وهو بذلك ثانى عميد مصرى لكلية الطب بعد الدكتورعلى باشا إبراهيم "1929-1944م" .  وفى عام 1947م أختير مديرا لجامعة فؤاد الأول، ليصبح بذلك ثالث مدير مصرى لجامعة القاهرة بعد الدكتورأحمد لطفى السيد بك "1925-1941م" ، ثم الدكتورعلى باشا إبراهيم "1941-1947م" .

 

"شوقى باشا" والعمل الوزارى:

 

فى ينايرعام 1952م أختيرإبراهيم شوقى باشا وزيرا  للمعارف العمومية ، ثم أختير وزيرًا للصحة العمومية لفترة وجيزة "من 24 يوليو إلى 7 سبتمبرعام 1952م" في أول وزارة تشكلت برئاسة علي ماهر باشا، بعد حركة الجيش في يوليوعام 1952م .

 

"شوقى باشا" والعمل العام:

 

وعلى الرغم من إنشغاله الشديد بأعباء العمل الجامعى، متمثلا فى التعليم الطبى، والبحث العلمى، وخدمة المجتمع وتنمية البيئة، لم يغفل إبراهيم شوقى باشا لحظة عن العمل خارج هذا الإطار، على المستوى القومى والإقليمى والعالمى . انتخب نقيبا لأطباء مصر، ورئيسا للجمعية الطبية المصرية، كما أسس"الجمعية المصرية لطب الأطفال" عام 1933م وهو نفس العام الذى أنشىء فيه البورد الأمريكى لطب الأطفال، وكان ذلك بعد ثلاث سنوات فقط من إنشاء الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال "عام 1930م" . كما نقل شوقى باشا طب الأطفال، وسائر فروع الطب الأخرى فى مصر، إلى المستوى العالمى، بإرساله البعثات إلى الخارج، ودعوته لكبار الأطباء فى العالم لزيارة مصر، والعمل بها .
 

 

"شوقى باشا" ومستشفى "أبو الريش":

 

ويرتبط تاريخ شوقى باشا إرتباطا وثيقا بإنشائه لمستشفى "أبو الريش للأطفال"، باعتباره أقدم وأعرق مستشفى لطب الأطفال فى الشرق الأوسط،، فهى المدرسة الأولى التى تخرج منها الكثير من العلماء فى هذا التخصص فى مصر، وغيرها من الدول . وتعود تسمية المستشفى لوقوعها بمنطقة سكنية تعرف باسم "أبو الريش" بحى "المنيرة" فى دائرة قسم السيدة زينب بالقاهرة .

 

كان هذا المبنى مملوكا لجمعية رعاية الأطفال المصرية، وهى جمعية أهلية "غير حكومية" أسسها عام 1908م طبيب الأطفال الشهير الدكتور حافظ عفيفى باشا، وكان سياسيا بارزا، ودبلوماسيا رفيعا، واقتصاديا ناجحا، وتولى منصب رئيس الديوان الملكى . وافقت الجمعية على أن تتنازل عن هذا المبنى للجامعة المصرية بناء على طلبها، ليكون نواة لمستشفى تعليمى، يخصص لطب وجراحة الأطفال، نظرا لقربه من كلية طب قصر العينى، ولأن الأمر فى مصر يستدعى وجود معهد كبير لتعليم فروع العناية بصحة الطفل، وبناء عليه تم تغيير إسم المستشفى من "مستشفى أبو الريش للأطفال" إلى "مستشفى الأطفال الجامعى بالمنيرة" . وقد لعب الدور الرئيسى لإتمام وتفعيل هذه "الصفقة" إبراهيم شوقى باشا رئيس قسم طب الأطفال، وحافظ باشا عفيفى رئيس الجمعية فى ذلك الوقت .

 

وقد بدأ العمل بالمستشفى بالطابق الأول عام 1934م، الذى كان معدا ومجهزا بثلاثة وستين سريرا، واستكمل البناء بطابق آخر تم افتتاحه عام 1940م، ليصبح عدد الأسرة 150 سريرا، ثم أخذ عدد الأسرة فى الازدياد حتى بلغ عام 1992م 210 سريرا . وظل مستشفى "أبو الريش" هوالمستشفى التخصصى الوحيد للأطفال فى مصر، حتى أنشأت جمعية رعاية الأطفال المصرية مستشفى آخر بمنطقة الدمرداش عام 1947م، وقامت باهدائه  إلى كلية الطب جامعة عين شمس عام 1952م .

 

"شوقى باشا" وإنشاء فروع البيت الكبير:

 

بعد 13 عاما من استقرارها فى أحضان العاصمة "القاهرة" من 1925- 1938م ، إتجهت كلية طب قصر العينى بالجامعة المصرية شمالا إلى عروس البحر الأبيض المتوسط - مدينة الإسكندرية العاصمة الثانية لمصر - ووضعت مولودها الأول فى عام 1938م فأنشأت أول فروعها، وذلك فى عهد الملك فاروق الأول، وبدأ التدريس بها في عام 1942م،  وفى عام 1943م قام ا.د. إبراهيم شوقى رئيس قسم طب الأطفال بكلية طب قصر العينى بجامعة فؤاد الأول بترشيح الدكتورأحمد شفيق عباسى، المدرس بالقسم، ليتولى تأسيس قسم طب الأطفال بكلية الطب بجامعة فاروق الأول "حاليا جامعة الأسكندرية" .

  

وبعد 9 سنوات من استقرار حالة المولود الأول فى مدينة الإسكندرية ، إتجهت مدرسة الطب المصرية إلى شرق مدينة القاهرة، ووضعت مولودها الثانى فى عام 1947م، فأنشأت كلية للطب فى مستشفى الدمرداش التى أنشئت عام 1928م بتبرع من السيد عبدالرحيم الدمرداش باشا وكانت تسمي كلية طب الدمرداش "حاليا طب عين شمس" ، وكانت تابعة لجامعة فؤاد الأول "حاليا جامعة القاهرة" . وقد أشرف كل من  إبراهيم شوقى باشا مدير جامعة فؤاد الأول ”حاليا جامعة القاهرة"، وأحمد خليل عبد الخاق بك رئيس قسم طب الأطفال بكلية طب قصر العينى، على إنشاء قسم طب الأطفال بكلية طب الدمرداش . وقد تولى عملية الإنشاء والتأسيس مجموعة مختارة من أساتذة طب الأطفال من "البيت الكبير" وهم د. حسن شكرى، د. عبد العظيم الغلمى، د. عبد الغنى وشاحى، د. صلاح عواد .

 

"أبناء وأتباع" شوقى باشا:

 

ويتشرف كل أطباء الأطفال فى عموم مصر، لمجرد شعورهم بأنهم ينتمون إلى شجرة العائلة، التى تضم عشرات الآلاف من أبناء وأحفاد إبراهيم شوقى باشا، "صنايعى" طب الأطفال فى مصر . وتضم قائمة الذين عاصروه وتتلمذوا على يديه الأساتذة الدكاترة أحمد خليل عبد الخالق بك، مصطفى الديوانى، محمد عطية عبود، عبد الحميد مصطفى كرشاه، موريس حنا، على عبد العال وعبد الحليم شحاته "القاهرة" .  أحمد شفيق عباسى، ممدوح حنفى، ومصطقى كمال بدر الدين "الأسكندرية" . حسن شكرى، عبد العظيم الغلمى، عبد الغنى وشاحى، وصلاح عواد "عين شمس" .

 

"شوقى باشا" والجوائز والتكريم:

 

حصل إبراهيم شوقى باشا على عديد من الجوائز المحلية والعالمية، لعل من أهمها أن منحته الحكومة الفرنسية وسام الفارس الأول الفرنسى، ووسام جوقة الشرف الفرنسي . ومنحه الملك فاروق الأول ملك مصر "رتبة الباشاوية" في 15 ديسمبرعام 1949م، وذلك "... نظرا لما عهدناه فيك من كريم السجايا وحميد المناقب وما أديته من جليل الأعمال ..." ، كما منح الرئيس الراحل أنور السادات فى 7 مارس عام 1981م أسرة شوقى باشا بعد وفاته وشاح النيل بإسمه "... من رفيع المزايا وما قدمه للطب من جليل الخدمات"  ، وفى عام 2008م  أصدرت الجمعية المصرية لطب الأطفال فى مناسبة الإحتفال بمرور 75 عاما على إنشائها "العيد الماسى للجمعية" ميدالية تذكارية ذهبية بإسمه كمؤسس وأول رئيس لها على مدى 11 عاما "1933-1944م" .

 

"شوقى باشا" والتقاعد:

 

عند بلوغه سن الستين عام 1950م  أحيل شوقى باشا إلى المعاش ، ولم يكن معمولا وقتذاك بنظام الأساتذة المتفرغين بعد بلوغ سن التقاعد . ومنذ ذلك الحين إنقطعت صلته بالجامعة والكلية والقسم الذى أنشأه وأسسه ورعاه، وكان آخر منصب تولاه هو وزير الصحة العمومية فى سبتمبر عام 1952م .

 

وانقطع الإتصال مع شوقى باشا حتى فاضت روحه إلى بارئها فى صمت عام 1980م عن عمر ناهز90 عاما ، تاركا وراءه ملحمة تاريخية قل أن يجود الزمان بمثلها، الأمر الذى يستحق معها أن يذكره التاريخ دائما بأنه "صنايعى البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" .

 

"شوقى باشا" فى ظلمات "صندوق النسيان":

 

وشوقى باشا - الذى كان شخصية فريدة توقف الزمان والتاريخ عندها طويلا،  أصابته لعنة الإهمال، فألقينا به وبتاريخه - بل وبأهم ”لقطة“ فى تاريخ طب الآطفال فى مصر - فى ظلمات صندوق النسيان . لقد أصابتنا الغفلة والكسل معا، عن تسحيل وتخليد التاريخ العريق لهذا العملاق الفريد، وليس ذلك مستغربا، فمعظمنا منذ الصغر يكره الجغرافيا والتاريخ ، كما إن مصر كلها منذ منتصف القرن الماضى وحتى وقتنا هذا - وباعتراف مسئوليها - أصبحت أمة بلا ذاكرة !!! . ورحم الله الإمام على بن أيى طالب، طيب الله ثراه، الذى قال: "آفة النجاح الكسل"! .

 

لا يتصور أحد أنه لا يوجد فى ”البيت الكبير“ الذى أرسى دعائمه شوقى باشا أى أثر يدل عليه، اللهم سوى صورة له فى إطار معلق على الحائط مع صور أخرى لخلفائه من رؤساء الأقسام! لا يذكر إسمه فى أى مؤتمر من المؤتمرات، ولا يحتفل به فى أى مناسبة كانت! ولايوجد له تمثال نصفى، أو جدارية، أو مجرد صورة فى مدخل المستشفى الذى بناه منذ عام 1928م، بل إن المدهش هو أن 90% على الأقل من أهل البيت لا يعرفونه، أو حتى لا يسمعون عنه، وكأن كلا منهم بداخله شيطان يهتف "لا شىء يهم .. بل لا شىء مهم .. فليس الفتى من يقول كان أبى .. وإنما الفتى من يقول هأنذا"! .

 

"شوقى باشا"  و "حديث الروح":

 

ولعل روح شوقى باشا تستشعر بعضا من الراحة والهدوء، حين ترفرف على المكان، وترى ”بيته الصغير“ الذى افتتحه عام 1934م بسعة 40 سريرا، أصبح الآن مدينة علمية ومجمعا متكاملا لطب الأطفال، تضم 3 مستشفيات و3 وحدات أخرى تابعة له، تبلغ مجموع سعتها 855 سريرا فى الخدمة، وهو أكبرعدد من الأسرة يمتلكها أى قسم طب أطفال على مستوى العالم . كما يضم القسم أكبر قوة بشرية من أعضاء هيئة التدريس، من أساتذة، وأساتذة مساعدين ، ومدرسين، بلغ المسجل منهم بنهاية عام 2015م عدد 317 عضوا، بالإضافة إلى الهيئة المعاونة لهم ”المدرسين المساعدين“، وأطباء المستشفيات من إمتياز، وأطباء مقيمين، واستشاريين، وإستشاريين مساعدين، وزملاء، وغيرهم من أطباء التخصصات الأخرى .

 

كما تضم القوة البشرية العاملة بالقسم عدة مئات من الدارسين، والمتدربين، والباحثين، كل عام من طلاب مرحلتى البكالوريوس والدراسات العليا الأكاديمية والمهنية، وغيرهم من مصر، ومن كافة دول العالم، ليس فى مجال طب الأطفال وحده، وإنما فى التخصصات ذات العلاقة، مثل التمريض والعلاج الطبيعى وخلافه .

 

وهو القسم الوحيد لطب الأطفال على مستوى العالم، الذى يضم كافة التخصصات الطبية والجراحية - العامة والدقيقة - فى ”مجمع واحد“ ، بدءا بالعيادات الخارجية، والإستقبال، والطوارىء، وانتهاء بعمليات القلب المفتوح وزراعة الأعضاء والنخاع، بالإضافة إلى الخدمات الأخرى المعاونة .

 

رحم الله جدنا الأكبر إبراهيم شوقى باشا "صنايعى البيت المصرى الكبير لطب الأطفال" ، ووقانا ظلمات "صندوق النسيان"! .. وتحيا مصر .. تحيا مصر .. تحيا مصر .

 

منسق سلسلة المقالات:

د. إيمان عبد الهادى

مدير عام بمستشفى قصر العينى التعليمى الجديد

 

مصادرالمعلومات:

        ا.د. أسامة حسين

        ا.د. صلاح نصار

        عمر طاهر: " كلوت بك: صنايعي صحة عموم مصر" ملحق جريدة الأهرام الأسبوعى

        بوابة جامعة القاهرة ، وقصر العينى، ووزارة الصحة

        مدحت فتحي شعبان العقيلي "تأريخ ونشأة القصر العيني والمستشفيات الجامعية في مصر"

 

 

Comments